حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
44
شاهنامه ( الشاهنامه )
أن يبعده إلى بعض أطراف الممالك كما أبعد الآخرين ، ويباشر أمور السلطنة بنفسه ، ثم يتدبر بعد ذلك في ترتيب ولاية العهد لمن هو أحرى بها وأجدر . وإن أبى ذلك فإنا سنجعل بلاده مرابط الجحافل ، ومراكز القنا والقنابل ، فنأخذ الأمر قسرا ، ونملك التاج والتخت قهرا . فنهض الرسول ولم يزل يطوى أطراف السباسب ، ويسمح أكناف المهامه ، حتى قرب من سرادق الملك . فرأى من المهابة ما ملأ عينه وراع قلبه . وأخبر الملك بقدومه فأمر بإحضاره . فلما مثل بين يديه استخبره أوّلا عن قرّتى عينه ، وفلذتى كبده ، واستقامة أمور مملكتهما ، وانتظام أحوال دولتهما . فأعلمه أنها على جملة تسر قلوب الأولياء ، وتسخن عيون الأعداء . ثم سأله بعد المؤانسة ومعي رسالة ناطقة بلسان الحفيظة ، تنطف دما ، وتعقب صاحبها ندما . ولا بدّ من إذن الملك في إبلاغها إلى المسامع العالية . فأذن له حتى بلغه ما حمل من تلك الرسالة . إجابة فريدون ابنيه فلما سمع ذلك أطرق ساعة ثم تنفس عن زفير قطع أحشاءه ، ومزق أكباده ، وعض على يديه حتى ضرج بنانه . وعلم أن طلائع الشر طالعة ، ونواجم الفتن لامعة . فأجاب عن تلك الرسالات بإبراق وإرعاد ، وإعذار وإنذار . وأشار على الرسول بالرجوع . ذهاب إيرج إلى أبيه لإخباره بما عزم عليه فعلم إيرج بصورة الحال وحضر بين يدي الملك وقال : إن اختلاف الكلمة يورث زوال الملك وتشتت الأمر . والرأي أن أركب اليهما ، وأدخل عليهما ، وأخمد نائرة هذه الفتنة ، وأتفادى مستعفيا عن السلطنة ، واسم الأمر اليهما ، وأوفر المملكة عليهما ، وأستعطب جانبهما قبل أن يطرحا قناع الحياء ، ويهتكا سترا الحشمة فيتفاقم الأمر ويعضل الداء ، ولا يمكن التلافي والتدارك . فكحل القضاء عين بصيرة أفريدون بميل الحيرة ، وأنساء أن الملك عقيم ، وأن داء الحسد قديم . ذهاب إيرج إلى أخويه فأذن له في ذلك فنهض في خف من العدد ، وجماعة من خواص العسكر متوجها نحو أخويه . للزيارة ، وتطفية النائرة . فلما قرب منهما وأخبرا بقدومه لا صلاح ذات البين ، وإزالة الوحشة من الجانبين ، ركبا في مواكبهما للاستقبال ، وتلقيا موارده بالإجلال والإعظام . وأمرا بتنضيد الجواهر على الأطباق برسم النثار . فلما تدانت أشواط النواظر ، وأحسن كل واحد منهم بوجه الآخر ترجل إيرج إعظاما لقدرهما ، وإكبارا لحملهما . فتلاقوا وتعانقوا ورجعوا إلى مضاربهم ، وجلسوا للأنس والطرب ، يتراضعون صفو المدام ، ويتلاطفون بحلو الكلام . حتى قدحت في عقولهم الأقداح ، وتمكنت من نفوسهم الراح . قام إيرج معتذرا عن ذنب لم يقترفه ، ومستغفرا عن جرم لم يجترحه .